سلام أبوشالة*
البشر طوال تاريخهم عرفوا أنواعاً مختلفة من غطاء الرأس: رجالاً ونساء، كان العرب يضعون العَمَامة على رؤوسهم لوقايتها من عوامل الحرّ و البرد، وتعددت أنواعها: فمنها العَمَامة الحجازية، العَمامة البغدادية، العمامة الحلبية .. التي ما يزال الحكواتيّون في بلاد الشام يرتدونها، ثم وضعوا على رؤوسهم الطربوش العثماني.
قصة الطربوش العثماني:
والأرجح أنه نِمساوي الأصل، وانتشر بعد أن لبسه السلطان العثماني محمود خان المعروف باسم محمود الثاني، وهو أول من لبس الطربوش من الملوك الإسلامية، وتعمَّم ارتداؤه في أرجاء الدولة العثمانية، ومع انتشار الطربوش تضاءلت القواويق والعرف والطبزة و اللبّادة .. لينتشر الطربوش سريعاُ كانتشار النار في الهشيم.
و الطربوش مخروطي الشكل على هيئة هرم دائري، له قاعدتان: السفلى كبيرة والعليا صغيرة. تتدلّى من خلفه بغنج شرّابة من الحرير الأسود. و يتدرج لونه من الأحمر الفاتح الذي يرتديه الشباب، إلى القاني إلى الخمري المخصص لكبار السن، ثم الكحلي للأفندية من موظفي الحكومة.
لكن الشيوخ زيّنوا الطربوش بوضع العَمّة الأغبانيّة الدمشقيّة المطرزة بخيوط الحرير حوله، ولكل طربوش طُرَّة معينة للتمييز بينها؛ ومنها: الطُرَر الملكية و الطُرَر العسكرية و الطُرَر العباسيّة إلخ.
– الطربوش العباسي المصري، لونه أحمر ويكون أقصر الطرابيش وله طُرّة متناسبة مع طوله.
– الطربوش النابلسي / الفلسطيني .. ويكون أطول قليلاُ وذا نهاية رقيقة.
– الطربوش الدمشقي.. متوسط الطول لونه أحمر متوهج له شراشيب متوسطة، و من أنواعه: الشامي والمهايني والعظمة والحُسيني والسبيعي.
و كان يُصنع من: الصوف الدلك وهو اللبّاد، أو من الجوخ السميك المستورد من دولة تشيكوسلوفاكيا السابقة.
دلالات وضع الطربوش:
الطربوش سيد الرؤوس في الماضي، تمتع بدلالات وضعه على الرأس، لأنه تغيير وضعه يعكس المزاج النفسي لحامله. فعندما يوضع مستقيماً وثابتاً على الرأس،فإن معناه يتوافق مع الرجولة والنزاهة والاستقامة.
أما إذا كان مائلاً إلى الوراء، فتعكس هذه الوضعية المزاج الرائق للإنسان المسرور، أو الرغبة في التوجيه والإرشاد، أو حتى السخرية أحياناً.
أما عندما يميل إلى الأمام، فصاحبه غاضب ونزق، فيهرع أهل البيت إلى غرفهم عندما يدخل إلى المنزل. أما إذا كان الطربوش مائلاً إلى جهة اليمين أو اليسار فيكون الذي يرتديه من الشباب الغاوي في مقتبل العمر.
وقد لبس الناس الطربوش في مصر وبلاد الشام والمغرب العربي و العراق، وبقي مستخدماُ في بلادنا حتى أواخر الستينيّات من القرن الماضي حيث كان مكتب عنبر في دمشق – أول مدرسة دمشقية – يمنح خريجيه الطرابيش كهدية بعد حصولهم على شهادة التخرّج.
اليوم..، يكاد الطربوش يختفي.. سوى في المسلسلات، و عند بعض الفرق الموسيقية التراثية، ودخلت قبعات وعمائم جديدة، بتغير الدول والامبراطوريات، فاختفى الطربوش العُثْمَلّي ليحل محلّه الشابّو الفرنسي و الكاسكيت.
*شاعره وباحثة في التراث الشعبي


Social Links: